من أكثر الأمور التي تجعل أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT مفيدة سهولة التعامل معها؛ اطرح فكرة، وستجد من يساعدك على تطويرها، اطلب رأيًا، وستحصل على تحليل خلال ثوانٍ، وقدّم مشروعًا تفكر فيه، وستحصل سريعًا على مقترحات لتحسينه. لكن هذه السهولة تخفي مشكلة مهمة: ماذا لو كانت فكرتك نفسها خاطئة؟
في كثير من المحادثات، لا نحتاج إلى من يساعدنا على الدفاع عن أفكارنا بقدر ما نحتاج إلى من يختبرها. ومع ذلك، قد يتحول الذكاء الاصطناعي دون أن نشعر إلى مساعد متعاون أكثر من اللازم؛ يأخذ الافتراضات التي نقدمها له كنقطة انطلاق، ثم يبني فوقها إجابة تبدو منطقية ومقنعة، رغم أن المشكلة ربما كانت في نقطة الانطلاق نفسها.

تخيل مثلًا أنك أخبرت ChatGPT بأنك تريد إنشاء موقع عربي جديد متخصص في الذكاء الاصطناعي لأن الاهتمام بهذا المجال يتزايد بسرعة. يمكن للنموذج أن يبدأ فورًا باقتراح أقسام الموقع، وأسماء مناسبة له، وأفكار للمقالات، وخطة لتحقيق الأرباح. كل هذه الإجابات قد تكون مفيدة، لكنها تتجاوز سؤالًا أهم: هل ازدياد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي يعني فعلًا أن إنشاء موقع جديد عنه فرصة جيدة؟
ربما نعم، وربما لا. فقد يكون السوق مزدحمًا، أو يصعب بناء جمهور جديد، أو أصبحت بعض أنواع المحتوى أقل جاذبية لأن المستخدم يستطيع الحصول على الإجابة مباشرة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وقد تكون الفرصة الحقيقية موجودة، ولكن في تخصص دقيق داخل المجال وليس في إنشاء موقع عام آخر عنه.
هنا يظهر الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعدًا لتنفيذ أفكارك واستخدامه باعتباره شريكًا لاختبارها قبل تنفيذها.
وهذه المسألة مهمة خصوصًا لأن هناك نقاشًا متزايدًا حول تأثير الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في قدرتنا على التفكير بأنفسنا. وقد تناولنا سابقًا في إنكور جانبًا من هذه المشكلة في مقالنا عن تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على التفكير النقدي. لكن العلاقة بين الاثنين ليست بالضرورة سلبية دائمًا؛ فالأداة نفسها التي قد تختصر عليك عملية التفكير يمكن استخدامها بطريقة تدفعك إلى التفكير بصورة أعمق.
المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يوافقك دائمًا
من غير الدقيق القول إن ChatGPT أو غيره من نماذج الذكاء الاصطناعي سيوافق المستخدم على كل ما يقوله. يمكن لهذه النماذج الاعتراض والتصحيح وتقديم وجهات نظر مختلفة، لكن طريقة صياغة المحادثة تؤثر كثيرًا في الاتجاه الذي تسلكه الإجابة.
هناك فرق مثلًا بين أن تسأل: «لدي هذه الفكرة، ساعدني على تطويرها». وبين أن تقول: «لدي هذه الفكرة، حاول أن تجد الأخطاء التي قد تجعلها تفشل».
في الحالة الأولى، جعلت نجاح الفكرة افتراضًا ضمنيًا وطلبت من الذكاء الاصطناعي البناء عليه. وفي الثانية، طلبت منه اختبار الافتراض نفسه.

وتصبح المشكلة أكثر أهمية عندما نكون مقتنعين مسبقًا بفكرة ما. فالإنسان بطبيعته قد يبحث عن المعلومات التي تؤيد ما يعتقده ويمنحها اهتمامًا أكبر من المعلومات التي تناقضه، وهو ما يُعرف بـ انحياز التأكيد (Confirmation Bias). وإذا استخدمنا الذكاء الاصطناعي فقط لتطوير الحجج التي نؤمن بها، فقد يتحول إلى وسيلة إضافية لتعزيز هذا الانحياز بدل مساعدتنا على اكتشافه.
لذلك يمكن تغيير الدور الذي نطلبه من الذكاء الاصطناعي منذ بداية المحادثة. بدل أن تكون مهمته مساعدتنا على إثبات أننا على حق، نجعل مهمته مساعدتنا على اكتشاف أين يمكن أن نكون مخطئين.
وهذا لا يحتاج إلى أدوات إضافية أو إعدادات معقدة، بل يمكن تحقيق جزء كبير منه من خلال برومبت يحدد قواعد النقاش منذ البداية. وإذا كنت مهتمًا بطريقة كتابة التعليمات بصورة أفضل، فقد شرحنا هذا الجانب بتوسع في مقال أفضل الممارسات في توجيه الذكاء الاصطناعي.
خمس قواعد تجعل الذكاء الاصطناعي يختبر أفكارك
الفكرة الأساسية للبرومبت الذي سنستخدمه هي ألا يتعامل النموذج مع استنتاج المستخدم باعتباره نقطة صحيحة يجب البناء عليها مباشرة. وبدل ذلك، نطلب منه القيام بخمسة أشياء.
أولًا، البحث عن الافتراضات التي تقوم عليها الفكرة. فإذا قلت إن منتجًا معينًا سينجح لأن المنافسة فيه محدودة، يجب ألا يكتفي بهذه المعلومة، بل يسأل ضمنيًا: هل قلة المنافسة دليل على وجود فرصة، أم يمكن أن تكون دليلًا على ضعف الطلب أصلًا؟
ثانيًا، نطلب منه بناء أقوى حجة معاكسة ممكنة. وليس المقصود أن يصبح الذكاء الاصطناعي معارضًا لكل شيء تقوله، فهذا لن يجعل الإجابات أكثر ذكاءً، بل أكثر إزعاجًا. المطلوب أن يتخيل ما الذي قد يقوله شخص مطلع على الموضوع لكنه غير مقتنع باستنتاجك.
ثالثًا، عليه اختبار منطق الاستنتاج نفسه. هل الأدلة التي قدمتها تكفي للوصول إلى النتيجة؟ هل انتقلت من وجود ارتباط بين عاملين إلى افتراض أن أحدهما تسبب في الآخر؟ هل عممت نتيجة محدودة؟ وهل توجد معلومات مهمة تجاهلتها؟
أما القاعدة الرابعة فهي تغيير زاوية النظر. الفكرة التي تبدو ممتازة بالنسبة إلى صاحب المشروع قد تبدو مختلفة تمامًا للعميل، والمشروع الذي يراه المستثمر فرصة للنمو قد يراه المهندس مكلفًا أو معقدًا في التنفيذ. مطالبة الذكاء الاصطناعي بالنظر إلى الفكرة من زوايا مختلفة قد تكشف أشياء يصعب رؤيتها من موقع واحد.
وأخيرًا تأتي القاعدة الأهم: الحقيقة أهم من الاتفاق. يجب أن يعرف النموذج أنك لا تريد منه تأييد استنتاجك لمجرد أنك صاحب السؤال. إذا كانت الأدلة ضعيفة، فليقل ذلك. وإذا كنت واثقًا أكثر مما تسمح به المعلومات، فليوضح الأمر. وإذا ظهرت علامات على انحياز التأكيد أو الانتقائية في استخدام الأدلة، فمن الأفضل الإشارة إليها بدل بناء إجابة مريحة فوقها.
البرومبت الذي يحول ChatGPT إلى شريك في التفكير النقدي
يمكن نسخ التوجيه التالي ووضعه في بداية المحادثة، ثم البدء في طرح الأفكار التي تريد اختبارها:
From now on, don't automatically agree with me or treat my conclusions as correct. I want you to act as a critical thinking partner who challenges my ideas constructively.
Whenever I present an idea:
Identify the assumptions behind it and question whether they are actually valid.
Give me the strongest reasonable counterarguments an informed skeptic might raise.
Examine my reasoning for logical gaps, weak evidence, contradictions, or overlooked factors.
Show me alternative ways to interpret, frame, or approach the idea.
Put accuracy above agreement. If I'm wrong, overly confident, or reasoning poorly, tell me clearly and explain why.
Be rigorous without being argumentative for the sake of it. The goal is to improve the quality of my thinking, decisions, and conclusions. If you notice confirmation bias, unsupported assumptions, or selective reasoning, point it out directly.
Help me improve not only what I conclude, but the process I use to reach those conclusions.
وإذا كنت تفضل التعامل مع الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، يمكن استخدام النسخة التالية:
من الآن فصاعدًا، لا توافقني تلقائيًا ولا تتعامل مع استنتاجاتي باعتبارها صحيحة لمجرد أنني طرحتها. أريدك أن تتصرف كشريك في التفكير النقدي يختبر أفكاري بصورة بناءة.
عندما أطرح فكرة، حدد الافتراضات التي تقوم عليها واختبر مدى صحتها، ثم قدم أقوى الاعتراضات المنطقية التي يمكن أن يطرحها شخص مطلع ومتشكك. افحص طريقة استدلالي وابحث عن الثغرات المنطقية والأدلة الضعيفة والتناقضات والعوامل التي ربما تجاهلتها، واقترح طرقًا وزوايا مختلفة لفهم الفكرة.
ضع الدقة والحقيقة قبل الاتفاق معي. إذا كان استنتاجي خاطئًا، أو كانت ثقتي به أكبر مما تسمح به الأدلة، أخبرني بذلك بوضوح واشرح السبب.
كن دقيقًا ونقديًا دون أن تتحول إلى معارض لمجرد المعارضة. الهدف هو تحسين جودة تفكيري وقراراتي واستنتاجاتي. وإذا لاحظت انحيازًا للتأكيد أو افتراضات غير مدعومة أو استخدامًا انتقائيًا للأدلة، فأشر إليها مباشرة.
ساعدني على تحسين ليس فقط النتيجة التي أصل إليها، وإنما أيضًا الطريقة التي أصل بها إلى هذه النتيجة.
بعد إدخال هذا التوجيه، يمكنك التحدث مع ChatGPT بصورة طبيعية. لا تحتاج إلى إعادة كتابة القواعد الخمس مع كل سؤال؛ اطرح الفكرة واطلب منه تحليلها وفق هذا الأسلوب.
وقد تلاحظ أن قيمة الإجابة لم تعد فقط فيما يقترحه الذكاء الاصطناعي، وإنما في الأسئلة التي يجبرك على التفكير فيها.
إذا قلت مثلًا: «أعتقد أن مشروعي يحتاج إلى تطبيق للهواتف لأن المنافسين لديهم تطبيقات»، فمن المفترض ألا يبدأ مباشرة في اقتراح تقنيات بناء التطبيق. عليه أولًا أن يختبر الافتراض: هل وجود تطبيقات لدى المنافسين دليل على أنك تحتاج إلى واحد؟ ما نسبة عملائك الذين سيستخدمونه؟ وهل يمكن أن تحقق نسخة محسنة من الموقع النتيجة نفسها بتكلفة أقل؟
ربما تنتهي بعد هذا الاختبار إلى النتيجة نفسها وتقرر إنشاء التطبيق. الفرق أنك وصلت إلى القرار بعد اختباره، لا لأن الذكاء الاصطناعي ساعدك على تبرير قرار اتخذته مسبقًا.
الذكاء الاصطناعي لن يفكر بدلًا منك
هناك مفارقة مهمة هنا. إذا كان هدفنا استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز التفكير النقدي، فلا ينبغي أن نحول نقد الذكاء الاصطناعي نفسه إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
النموذج يمكن أن يخطئ أيضًا. قد يقدم اعتراضًا يبدو منطقيًا لكنه مبني على معلومة غير صحيحة، وقد يعطي أهمية كبيرة لعامل ثانوي، أو يتجاهل عاملًا أساسيًا، أو يطرح احتمالات نظرية لا تنطبق فعليًا على حالتك.
لذلك فإن الهدف من البرومبت السابق ليس أن نستبدل عبارة «أنا أعتقد أن هذا صحيح» بعبارة «ChatGPT يعتقد أن هذا صحيح».
الأفضل أن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره طرفًا إضافيًا في عملية التفكير. أنت تطرح الحجة، وهو يحاول اختبارها، ثم تختبر أنت بدورك اعتراضاته. وعندما يتعلق الأمر بمعلومة مهمة، يمكنك طلب الأدلة والمصادر والتحقق منها بدل الاكتفاء بثقة النموذج في إجابته.
بهذا الأسلوب تصبح العلاقة مع الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة. فأنت لا تطلب منه فقط أن يكتب أسرع أو يبحث أسرع أو ينتج المزيد من الأفكار، بل تستخدم قدرته على النظر إلى المسألة من زوايا متعددة لكشف ما ربما لم تنتبه إليه.
وفي النهاية، ربما يكون أحد أفضل الأسئلة التي يمكنك توجيهها إلى الذكاء الاصطناعي ليس: «هل أنا على حق؟»، وإنما: «ما الذي لا أراه في هذه الفكرة، وما الذي يمكن أن يجعلني مخطئًا؟»
عندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا عن التفكير، بل أداة لاختبار التفكير نفسه.




