لماذا لا تتحول المشاريع التقنية العربية إلى منتجات حقيقية؟
في المشهد التقني العربي، لا يمكن الحديث عن فقر في المبادرات أو ضعف في المحاولات. المنتديات، مواقع البرمجيات، ومجتمعات المطورين مليئة بالسكربتات، الإضافات، القوالب، والبرامج الصغيرة التي تظهر بوتيرة مستمرة. كثير من هذه المشاريع يبدأ بحماس واضح، وبعضها يلقى اهتمامًا ملحوظًا في أيامه الأولى، لكن القاسم المشترك بينها هو أنها نادرًا ما تتجاوز مرحلة “الإصدار الأول”. بعد فترة، تتوقف التحديثات، يختفي صاحب المشروع، ويتحوّل العمل إلى موضوع مؤرشف يُستشهد به بدل أن يُستخدم فعليًا.
Table Of Content

هذا الفشل المتكرر لا يمكن تفسيره بنقص المهارة أو ضعف الأدوات، لأن الواقع يثبت عكس ذلك. المشكلة أعمق، وتتعلق بطريقة التفكير التي تُبنى بها المشاريع التقنية منذ لحظتها الأولى، وبالتصور الضمني لماهية “المشروع” أصلًا.
المشكلة ليست في الكود… بل في تعريف المنتج
أحد أكثر الخلل شيوعًا هو التعامل مع الكود على أنه غاية بحد ذاته. في كثير من المشاريع التقنية العربية، يُنظر إلى لحظة اكتمال البرمجة على أنها نهاية الرحلة، لا بدايتها. السكربت يعمل، الميزة نُفذت، الفكرة أصبحت واقعًا، وبذلك يُعتبر المشروع “منجزًا”. هذا التصور يجعل المشروع أشبه بإنجاز فردي أو استعراض قدرة تقنية، لا التزامًا طويل الأمد بحل مشكلة واقعية.
المنتج الحقيقي لا يُقاس بقدرته على العمل اليوم، بل بقدرته على الاستمرار غدًا. عندما يُبنى المشروع دون تصور واضح لما سيحدث بعد النشر—كيف سيتطور، كيف سيُصان، وكيف سيتكيّف مع تغيّر الظروف—فإنه يكون هشًا منذ البداية، حتى لو بدا متماسكًا تقنيًا. لهذا السبب، تنهار كثير من المشاريع عند أول طلب تطوير، أو أول مشكلة غير متوقعة، أو حتى عند أول فتور في الحماس الشخصي لصاحبها.
هذا الخلط بين “مشروع يعمل” و“منتج حي” يؤدي إلى سلسلة قرارات خاطئة: غياب التوثيق، إهمال الاختبارات، تجاهل قابلية التوسع، وعدم التفكير في من سيحمل المشروع إن غاب صاحبه. كل هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل مؤشرات على أن المشروع لم يُرَ منذ البداية ككيان مستقل، بل كملف يُنشر ثم يُنسى.
المنتديات كمساحة نشر… لا كمساحة نمو
تلعب المنتديات التقنية العربية دورًا محوريًا في هذا السياق. فهي غالبًا البيئة الأولى التي يُطرح فيها المشروع، لكنها تتحول عند كثير من المطورين إلى البيئة الأخيرة أيضًا. يُنشر السكربت في موضوع واحد، تُضاف صور، يُكتب شرح مختصر، وربما وعود عامة بالتطوير، ثم يتوقف المسار عند هذا الحد. لا توجد بنية تسمح بتراكم العمل، ولا آلية تفرض الاستمرارية أو المحاسبة.
في هذا النموذج، يصبح المشروع محتوى استهلاكيًا، لا منتجًا. يتم التعامل معه كما يُتعامل مع مقال أو شرح: يُقرأ، يُعلّق عليه، ثم يُطوى. ومع مرور الوقت، تتراكم المشاريع غير المكتملة، ويتحوّل الأرشيف التقني إلى مقبرة أفكار بدل أن يكون منصة نمو. المشكلة هنا ليست في المنتديات نفسها، بل في تحويلها من نقطة انطلاق إلى نقطة نهاية.
هذا السياق يُشجّع عقلية قصيرة المدى. ما دام التفاعل الأولي هو الهدف، وما دامت الردود والإعجابات هي مقياس النجاح، فلا يوجد دافع حقيقي للاستمرار بعد انطفاء الاهتمام الأولي. المنتج، في هذه الحالة، لا يُبنى ليعيش، بل ليُعرض.
غياب المسؤولية طويلة الأمد وثقافة الاستمرارية
المنتج الحقيقي يفترض علاقة مستمرة بين صاحبه والمشكلة التي يعالجها. هذه العلاقة تتطلب إحساسًا بالمسؤولية، لا بالملكية فقط. كثير من المشاريع التقنية العربية تُبنى دون هذا الإحساس. لا يوجد تصور بأن المشروع سيحتاج صيانة، أو أن مستخدمين قد يعتمدون عليه، أو أن قرارات اليوم ستؤثر على الغد.
عندما يغيب هذا الوعي، يصبح التوقف أمرًا طبيعيًا، بل مبررًا. أي عائق—مهما كان بسيطًا—يكفي لإنهاء المشروع. ومع تكرار هذا النمط، تتشكل ثقافة كاملة ترى في التوقف أمرًا عاديًا، وفي الاستمرارية استثناءً نادرًا.
محاولات تحويل هذه المشاريع لاحقًا إلى منتجات مدفوعة غالبًا ما تفشل، ليس لأن المستخدم العربي يرفض الدفع، بل لأن المشروع لم يُبنَ ليكون خدمة مستقرة. الثقة، وهي أساس أي منتج، لا تُخلق فجأة، بل تتراكم عبر الزمن، وعبر التزام واضح بالتطوير والدعم.
فشل المشاريع التقنية العربية في التحول إلى منتجات حقيقية ليس نتيجة نقص في المواهب أو الإمكانيات، بل نتيجة تصور مختزل لمعنى “المشروع”. طالما ظل الكود هو الهدف النهائي، ستبقى المشاريع قصيرة العمر. أما عندما يُعاد تعريف المشروع بوصفه التزامًا طويل الأمد بحل مشكلة واقعية، فإن القرارات التقنية والتنظيمية تتغير تلقائيًا، ويصبح الاستمرار جزءًا من التصميم لا عبئًا لاحقًا.
هذا الموضوع ليس مسألة تقنية بحتة، بل نقاش ثقافي وفكري يستحق أن يُفتح على مصراعيه، لأن مستقبل المحتوى والمشاريع التقنية العربية يتوقف عليه أكثر مما يتوقف على أي أداة أو إطار عمل جديد.
